لا أقسى من هذه اللحظة التاريخية المثخنة من كل الجهات.
نحن نجني حصاد تجريف الهوية الوطنية لليمنيين..حصاد أعداء الدولة والمواطنة..حصاد أنانية الساسة و الاستغلال السياسي للدين، فضلا عن غلبة المشاريع الصغيرة بدلاً من المشروع الوطني الذي انهار.
حصاد النخبة المأزومة التي انتقمت من بعضها بتبرير مشاريع التفكيك والتطييف والميليشيات كما بسبب هؤلاء الصغار والحمقى لم نتجاوز مايفرقنا إلى مايوحدنا..كل الأطراف بلا استثناء ستبقى مدانة أمام الضمير والتاريخ ..من صالح إلى الحوثي مرورا بالمشترك وهادي. أما المستقبل فهو غامض ومقلق..هناك نزق وشطط وسوء تقدير في الجنوب بشكل خاص، كما ان هناك إرهاب وافقار وافساد وتدخلات خارجية وعصبية مذهبية ، بمقابل أطلال دولة عموما وجحيم حرب مزدوجة فتخيلوا المصير غير الآمن الذي ينتظرنا مالم يتم فورا إيقاف الحرب وإحلال السلام الضامن بنوايا مسؤولة وراشدة .
غير ان من كانوا هم المشكلة صاروا اكثر من يعادون الحلول فيما يدأبون على انحرافاتهم الوطنية والعبث الرهيب الذي لايحتمل.!
***
الذي لم يشعر يوما انه شمالي، أو جنوبي، أو سني، أو شيعي، كان يشعر انه يمني فقط .
وفجأة؛ شعر ان الشمال يكرهه، والجنوب يكرهه،
والسنة يكرهونه، والشيعة يكرهونه أيضا.
اما اليوم؛ فقد صار يشعر انه شمالي، وجنوبي، وسني، وشيعي، دفعة واحدة .لكنه في نفس الوقت صار يشعر ان اليمن قد غادرته فجأة، وإلى الأبد.
وها أنا احذركم من محبتكم المتناقضة له.
هو الآن يمارس اعترافاته الخائبة التي لايخجل منها، ويبدو كمقبرة جماعية متنقلة تضم رفات القتلة والمقتولين معا. فيما يمكنه ان يمزج ترهاته اللانهائية بكبرياءه السحيق، ليعكر صفو مزاجكم المنبوش كجثث الوطن مجهولة الهوية .ويوما ما ستعجزون مثله عن استيعاب هويتكم الغامضة حين تكلل ضحكاتكم المحطمة وحزنكم السعيد.
***
لأنهم رفضوا التعامل مع كل الأطراف السياسية والاجتماعية في عدن، كما رفضوا التعامل مع الجيش الموجود هناك، وفوق ذلك كله قاموا بتعميق الفجوة الاجتماعية ، وبرعونة وطيش عملوا ضد الشرعية المفترضة، وعجزوا عن تحقيق ابسط الأولويات والخدمات، كما تعاملوا بمنتهى اللامسؤولية لمواجهة الإرهاب بمناطقية وخبل:
سيظلون يفشلون في عدن ويقودونها لمزيد من البهذلة فقط.
كان الجميع ينتظرون اداءات راجحة و مدهشة ومعتبرة من الحراك، تعيد له الاعتبار الوطني والأخلاقي والعقلاني، كما تجعله أكثر موثوقية لأخذ زمام القضية الجنوبية نحو آفاق آمنة و أضمن .
لكنه قام بتأكيد انه الأكثر بلادة وارتجالية ولامسؤولية في المشهد، فضلا عن مأزوميته الصادمة وانحرافاته التي لايعول عليها لخدمة القضية الجنوبية لأنها بلا أفق اعتباري ناضج.
أما الإرهاب الذي ضرب أمس عدن، وقبله المكلا، وكل يوم تعز، واليوم صنعاء، فإنه سيستمر مستخفا وذرائعيا واكثر لؤما وانفلاتا ، لأن إسقاط الدولة هو أكبر إرهاب.!
كذلك إذا استمرت كل القوى منفردة، وخارج نطاق الدولة التي لم يتم استعادتها، في ظل استمرار الانقلاب وغياب الشرعية، فلابد ان الإرهاب طبعا هو من سيستفرد بكل شيء.
بمعنى آخر ضاعت الوحدة بسبب ضياع قيمتي الدولة والمواطنة. ثم دمرنا قيمة الحياة نفسها، بسبب الوحدة أو الموت و الإنفصال أو الموت.!
لكن في الحقيقة لم تكن مشكلة قضية صعدة والقضية الجنوبية انها مشكلة هويات مناطقية أو مذهبية .لذلك لافرق بين تهجير السلفيين ويهود آل سالم من صعدة، وتهجير الإسماعيلين والتعزيين من عدن.
فالذين ينكرون يمنيتهم ويزعمون المظلومية حتى وهم يظلمون، لايبرعون في شيء مثل حرفهم الصراع من منحاه السياسي إلى منحاه الطائفي.
كما ان الذين يدأبون على إستغلال قضية الإرهاب لصالح اجنداتهم-وهم اكثر من يجيدون الابتزاز و الاستئثار والانتقام وفرض الخيارات بالقوة -ينجحون دائما في فرض ملشنة الدولة والمجتمع، وكذا في محو قيمة المواطنة المتساوية و فكرة الدولة الوطنية بالمحصلة .
***
في العام 2014 قال الدكتور ياسين سعيد نعمان :
مشكلة الجنوب لن تحل الا بوجود دولة ..ودولة قوية.
انهيار الدولة سيؤدي الى تقسيم وانهيار الجنوب اكثر من الشمال.
رفض العملية السياسية من قبل القوى الجنوبية سيترك الفرصة سانحة امام مشروع العنف الذي ستتولاه قوى اخرى، قوى جاهزة ومتربصة .
العوامل المؤدية إلى انهيار كيان الدولة ستنعكس سلبا على الجنوب بسبب هشاشة الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي وكثرة اللاعبين ..ومن مصلحة الجنوب أن لا ينهار كيان الدولة وأن لا تبقى في صيغتها الهشة القائمة. وعلى قوى الحراك أن لاتقف موقف اللامبالاة مما يحدث باعتباره شأنا شماليا كما يقول البعض.
إن الكيفية التي توظف فيها الهويات في اللحظة الراهنة تجعلها متصادمة مع الحقائق التاريخية في أكثر الموضوعات صلة بالجغرافيا السياسية والمصالح الاستراتيجية للشعب، وبالتالي فإن استحضارها في الوقت الحاضر لا يشكل حالة انقسامية في الجنوب فحسب ولكنه يدخل هذه القضية في مواجهات تجرها بعيدا عن مضامينها السياسية إلى صراع هويات توفر ذرائع لنزعات عصبوية ستصبح أشد خطورة على القضية الجنوبية من أي تحديات أخرى.
***
لامتى شتحتمل ؟
و الرفاق الخياب مثل الطهاشة يلججوا
والضياح يتكاثرين حولك
والعزيق المعرص يشتي يكحول بك ويتشفي
وطبع العزيق أكثر من طفيح.
طيب لمو زلجتنا غلايب ؟
لمو تطنن وقت النصيحة والعتاب!
لكننا مسخيش اشوف الخياب الملاعين وهم فوقك يعربدوا.
و"انتا مثلما انتا"
مافيش دجاهك إلا الضبح والغدره
ومكانك تمشي مكور ولاتلتفت
ولو قمتوا اعرعرلك
من شق و طرف وابكي
تضحك وتستبشر بخير .
و يعلم الله بس على كيف !
يعلم الله بس على كيف!
***
قبل أيام صدمت بوفاة "صنعاء" ابنة رفيقي العولقي، كما فجعت بوفاة "ردفان"نجل رفيقي الخولاني ..بالنسبة لي ليست تلك مجرد أسماء فقط، أو حتى أماكن جغرافية..وإنما تكاملات وجدانية وتاريخية مشتركة، تتسم بوشائج وقيم ومبادئ و احلام يمنية عليا، بل انها مغروسة غريزيا وفطريا في اللاوعي قبل الوعي، بينما أساسها إعادة الإعتبار للذات اليمنية المثخنة خصوصا وهي تكافح اليوم ضد تجريفات الواقع التفكيكي الرهيب .
ولذلك فليعتز الغرباء بالرومانسية الوطنية، كونها فضيلة العابرين للهويات المغلقة.
أقول هذا بغض النظر عن الخيبات القاسية التي تراكمت، و فشل المشاريع السياسية، فضلا عن تدهور حلم الوحدة الخلاقة طبعا.
خالص العزاء والمواساة للعزيزين ناصر شريف وفاضل العولقي..والسلام السلام على روح ردفان وروح صنعاء، تحلقان في الأعالي وتنصهران في غصتي الآن .
لمتابعة قناة الاشتراكي نت على التليجرام
اشترك بالضغط على الرابط التالي ومن ثم اضغط على اشتراك بعد أن تفتتح لك صفحة القناة
@aleshterakiNet

